الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي
18
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
عَهْداً ( 78 ) ، بأن يؤتى ما قاله ، وقيل : المعنى انظر في اللوح المحفوظ أن له ما يقول ، أم اعتقد وحدة اللّه بكلمة الشهادة فيكون له ما يقول . وعن قتادة : هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بدلك ما يقول : كَلَّا ردع له عن التفوّه بتلك الكلمة الشنيعة ، وتنبيه على خطئه ، أي لا يكون له ما يقول ، سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ، أي سنظهر له أنا كتبنا قوله ونؤاخذه به ، وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ( 79 ) أي نطوّل به من العذاب ما يستحقه ، ونضاعفه له لكفره وافترائه على اللّه تعالى ، واستهزائه بآياته ، وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ، أي ننزع ما آتيناه بموته ، ونحرمه ما تمناه في الآخرة من مال ، وولد ، ونجعله لغيره من المسلمين ، وَيَأْتِينا يوم القيامة فَرْداً ( 80 ) لا يصحبه مال ، ولا ولد ، ولا عشيرة ، ولا خير . وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً ، أي اتخذ كفار قريش الأصنام آلهة متجاوزين اللّه تعالى ، لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ( 81 ) أي ليكون الأصنام مانعين لهم من عذاب اللّه ، كَلَّا أي لا مانع من عذابهم ، فلا يعتقدوا أن الأصنام شفعاء لهم عنده تعالى ، سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ أي سيجحد الأصنام بعبادتهم لها ، بأن ينطقها اللّه تعالى ، وتقول ما عبدتمونا ، وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ أي تكون الأوثان التي كانوا يرجون أن تكون لهم منعة من العذاب ، ضِدًّا ( 82 ) ، أي أعداء وأعوانا بالعذاب ، فإنهم وقود النار ، ولأنهم عذّبوا بسبب عبادتهم . أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) أي ألم تنظر يا أشرف الرسل ، أنا سلطنا الشياطين على الكافرين ، تهيّجهم على المعاصي تهييجا شديدا بأنواع الوساوس ، فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ، بطلب إهلاكهم حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم . إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ( 84 ) ، فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة ، وأنفاس معدودة ، فنضبط عليهم ما يقع منهم ، حتى نؤاخذهم به ولا نهمله . وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ( 1 ) بإيمانهم ، إِلَى الرَّحْمنِ أي إلى محل كرامة ربهم الذي يغمرهم برحمته الواسعة ، وَفْداً ( 85 ) ، أي وافدين على ربهم ، منتظرين لكرامتهم وأنعامهم ، فبعضهم كانوا ركبانا على نجائب سرجها من ياقوت ، وعلى نوق رحالها من ذهب ، وأزمتها من زبرجد ، من أول خروجهم من القبور ، أو من منصرفهم من الموقف حتى يقرعوا باب الجنة . وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ بكفرهم ومعاصيهم إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً ( 86 ) أي عطاشا بإهانة كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ( 87 ) ، أي لا يستحق هؤلاء المجرمون أن يشفع لهم غيرهم ، إلا من اتخذ كلمة الشهادة بالتوحيد والنبوة ، ولو كانوا أهل الكبائر . و روى ابن مسعود أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه ذات يوم : « أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند اللّه عهدا » قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : « يقول كل صباح ومساء : اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، وأن محمدا عبدك ورسولك ، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر ، وتبعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك ، فاجعل لي عهدا توفينيه يوم القيامة ، إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع اللّه عليه بطابع ، ووضع تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين لهم